الشنقيطي
239
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت * لها حفد مما يعد كثير ولكنها نفس علي أبية * عيوف لإصهار اللثام قذور والقذور : التي تتنزه عن الوقوع فيما لا ينبغي ، تباعدا عن التدنس بقذره . قال مقيده عفا اللّه عنه : الحفدة : جمع حافد ، اسم فاعل من الحفد وهو الإسراع في الخدمة والعمل . وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة قول بعض العلماء في الآية ؛ فنبين ذلك . وفي هذه الآية الكريمة قرينة دالة على أن الحفدة أولاد الأولاد ؛ لأن قوله وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً دليل ظاهر على اشتراك البنين والحفدة في كونهم من أزواجهم ، وذلك دليل على أنهم كلهم من أولاد أزواجهم . ودعو أن قوله « وحفدة » معطوف على قوله « أزواجا » غير ظاهرة . كما أن دعو أنهم الأختان ، وأن الأختان أزواج بناتهم ، وبناتهم من أزواجهم ، وغير ذلك من الأقوال - كله غير ظاهر . وظاهر القرآن هو ما ذكر ، وهو اختيار ابن العربي المالكي والقرطبي وغيرهما . ومعلوم : أن أولاد الرجل ، وأولاد أولاده : من خدمه المسرعين في خدمته عادة . والعلم عند اللّه تعالى . تنبيه في قوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً الآية - رد على العرب التي كانت تعتقد أنها كانت تزوج الجن وتباضعها ؛ حتى روي أن عمرو بن يربوع بن حنظلة بن مالك تزوج سعلاة منهم ، وكان يخبؤوها عن سنا البرق لئلا تراه فتنفر . فلما كان في بعض الليالي لمع البرق وعاينته السعلاة ، فقالت : عمرو ! ونفرت ؛ فلم يرها أبدا ؛ ولذا قال علباء بن أرقم يهجو أولاد عمرو المذكور : ألا لحى اللّه بني السعلاة * عمرو بن يربوع لئام النات ليسوا بأعفاف ولا أكيات وقوله « النات » أصله « الناس » أبدلت فيه السين تاء . وكذلك قوله « أكيات » أصله « أكياس » جمع كيس ، أبدلت فيه السين تاء أيضا . وقال المعري يصف مراكب إبل متغربة عن الأوطان ، إذا رأت لمعان البرق تشتاق إلى أوطانها ؛ فزعم أنه يستر عنها البرق لئلا يشوقها إلى أوطانها كما كان عمرو يستره عن سعلاته : إذا لاح إيماض سترت وجوهها * كأني عمرو والمطي سعالى والسعلاة : عجوز الجن . وقد روي من حديث أبي هريرة : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « أحد أبوي بلقيس كان جنّيّا » .